الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني
314
مناهل العرفان في علوم القرآن
رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم للتعلّم منه والأخذ عنه . وروى مكحول عن عبد الرحمن بن غنم أنه قال : حدّثنى عشرة من أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قالوا : كنّا ندرس العلم في مسجد قباء إذ خرج علينا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فقال : « تعلّموا ما شئتم أن تعلّموا ، فلن يأجركم اللّه حتى تعملوا » . رواه الدارمي موقوفا على معاذ بسند صحيح . وكلمة العلم في هذا الحديث شاملة لعلم الكتاب وعلم السنة . أليس هذا الولوع بالكتاب والسنة من دواعي تثبّتهم فيهما ، كما هو من دواعي حفظهم لهما ، لأن اشتهار الشيء وذيوعه ، ولين الألسنة به ، يجعله من الوضوح والظهور ، بحيث لا يشوبه لبس ، ولا يخالطه زيف ، ولا يقبل فيه دخيل . العامل الخامس يسر الوسائل لدى الصحابة إلى أن يتثبّتوا ، وسهولة الوصول عليهم إلى أن يقفوا على جليّة الأمر ، فيما استغلق عليهم معرفته من الكتاب والسنة . وذلك لمعاصرتهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يتصلون به في حياته ، فيشفى صدورهم من الريبة والشك ، ويريح قلوبهم بما يشعّ عليهم من أنوار العلم وحقائق اليقين . أما بعد غروب شمس النبوة ، وانتقاله صلّى اللّه عليه وسلّم إلى جوار ربه . فقد كان من السهل عليهم أيضا أن يتصلوا بمن سمعوا بآذانهم من رسول صلّى اللّه عليه وسلّم ، والسامعون يومئذ عدد كثير وجم غفير ، يساكنونهم في بلدهم ، ويجالسونهم في نواديهم ، فإن شك أحدهم في آية من كتاب اللّه ، أو خبر عن رسول اللّه أمكنه التثبّت من عشرات سواه ، دون عنت ولا عسر ! .